واتا:فلسطين في الوثائق الثمانية .. قراءة متأنية
صفحة 1 من اصل 1•
واتا:فلسطين في الوثائق الثمانية .. قراءة متأنية
فلسطين في الوثائق العثمانية ... قراءة متأنية ...
كانت حتى يوم قريب مجرد وثائق صفراء قديمة يعلوها الغبار ... لا تثير انتباه أحد ... أو أن أحدا لم يجد فيها منفعة سريعة تكفي لكي تدفعه إلى التضحية بشيء من وقته الثمين ... إلى أن قيض الله لها أحد الباحثين الشرفاء ... فأخرجها من غياهب الماضي إلى أنوار الحقيقة ... ليست لفائف قمران ما أتحدث عنه ... فتلك اللفائف ليست في الحقيقة على مستوى ما أعطيت من أهمية ... وليست في الواقع على مستوى ما أثير حولها من ضجة... ما أتحدث عنه هنا هو وثائق عثمانية تعود الى فترة هامة من تاريخنا ... اكتشفها وقدمها وقام بترجمتها شيخ المترجمين العثمانيين ... الاستاذ المترجم كمال خوجة ... وأهمية هذه الوثائق تكمن في أنها تلقي بالضوء على فترة مظلمة مدلهمة من تاريخنا ... كان المحرر والكاتب التاريخي الوحيد لها هو الاستعمار نفسه ... الاستعمار الذي تربع على أرضنا وداس على جماجم أجدادنا.... فاستعمر وحور وزور.... وما من رقيب....
الوثيقة رقم Y.E.E-136/110-1 تاريخ 24 كانون الثاني 1899، هي عبارة عن تقرير مرفوع إلى رئاسة الديوان السلطاني من أحد الموظفين الغيورين في السفارة العثمانية في واشنطن، وتعادل ترجمتها العربية صفحتين من قياس A4.
وعلى الرغم من عدم وجود ما يشير صراحة إلى هوية كاتب الرسالة، فان القاريء المتمعن وكذلك المتخصص الملم بأعمال السفارات، يمكنه من خلال المتابعة الحثيثة للنص أن يكتشف بسهولة، بأن كاتب هذه الرسالة الوثيقة لم يكن سوى السفير العثماني لدى واشنطن في ذلك الوقت.
الاسطر الاولى من رسالة السفير العثماني الغيور تلخص وتعكس وتكشف بجلاء عجيب صورة وطبيعة المرحلة الاولى من المحاولات الصهيونية للاستيطان في فلسطين، وتثبت أن الدولة العثمانية كانت في ذلك الوقت على اطلاع وعلم بما كان يحاك في الخفاء، وأنها كانت على دراية بوجود أفكار ونوايا وتحركات ومخططات مشبوهة، ترمي إلى السيطرة على فلسطين، وتشير بشكل يدعو الى الدهشة والاستغراب إلى وجود رعاية أمريكية مبكرة لذلك المخطط منذ البداية، وفي تلك المرحلة المبكرة جدا.
فالاخبار التي كانت ترد تباعا الى الحكومة العثمانية كانت تؤكد وتجمع على قيام اليهود في ذلك الوقت بمحاولات من أجل جمع الاموال، وتأمين دعم المتنفذين المحليين، وشراء الأراضي، وغير ذلك من التحضيرات والاستعدادات من جهة، وقيامهم بالتوجه إلى جهات فلسطين بصورة سرية، مثنى وثلاث ورباع وأحيانا (مجموعات) بالثلاثين والأربعين من جهة أخرى، بالرغم من استحالة وضع أفكارهم ومخططاتهم في استملاك تلك البلاد السلطانية موضع التنفيذ.
وتؤكد هذه الوثيقة تفهم الحكومة العثمانية لخطورة الوضع بكل تفاصيله، وقيامها على الفور باتخاذ الاجراءات والتدابير الضرورية، والتي كان من ضمنها إصدار التعليمات إلى السفارات العثمانية بعدم قبول مهاجرين من اليهود الأجانب وبدون أي استثناء. ويفهم من سياق هذه الرسالة أيضا أن الحكومة العثمانية كانت تتعرض لانواع من الضغوط في هذا الشأن من قبل الحكومة الامريكية، الامر الذي دفعها إلى محاولة إقناع الحكومة الأمريكية بصعوبة تحقيق ذلك المخطط المرسوم، وأن الحكومة عممت هذا الامر عن طريق الإعلان في الصحف، مع التنويه بعدم تلقي أية اعتراضات من أية جهة على قرارها ذلك.
وتشير هذه الرسالة الوثيقة المحررة من قبل السفير العثماني الى أن السفارة العثمانية في واشنطن وجهت بتاريخ 9 أيلول 1898 مذكرة إلى وزارة الخارجية الأمريكية تبلغها فيها بالقرار الاحترازي الصادر عن الحكومة العثمانية بمنع اليهود من دخول أراضي فلسطين، وتخبرها أيضا بأن التعليمات والاوامر قد صدرت الى الموظفين والمسؤولين العثمانيين بمنع المهاجرين اليهود من النزول إلى الشواطيء الفلسطينية. وتبلغ الدقة بالسفير العثماني كاتب الوثيقة إلى الذروة عند أشارته إلى ورود هذه المعلومات في فقرة رسمية مندرجة في الصفحة 476 من كتاب (ويمكن من هذا الرقم تخيل حجم هذا الكتاب تبعا لاهمية الموضوع!!!) تم تقديمه إلى الديوان السلطاني داخل مغلف كتب عليه العبارة التالية: "دخول اليهود إلى أرض فلسطين ممنوع".
ويشير كاتب الوثيقة سفير الدولة العثمانية لدى واشنطن إلى الزيارة المرتقبة في ذلك الوقت للامبراطور الألماني إلى فلسطين وسوريا، ويتحدث عن التعليمات والاوامر التي وصلت إلى سفارته بخصوصها، والمتعلقة بالاجراءات الاحترازية الواجب اتخاذها فيما يتعلق بمنع وعدم منح تأشيرات على جوازات الأشخاص المشبوهين الراغبين بالسفر إلى فلسطين وسوريا خلال زيارة الإمبراطور. ويتحدث السفير عن الاشكاليات التي واجهها حين أبلغ القنصليات التابعة لسفارته بالتعليمات القطعية من أجل تنفيذ هذا الأمر. ونفهم من حديث الكاتب السفير هنا أن عددا كبيرا من اليهود الامريكيين كانو يتقدمون ألى السفارة والقنصليات العثمانية في ذلك الوقت من أجل الحصول على تأشيرات سفر إلى فلسطين، وأنهم كانوا يعدون العدة للتوجه الى هناك لغايات الاستيطان، وأنهم تأثروا بقرار المنع هذا، الامر الذي دفعهم الى الاحتجاج والشكوى لدى وزارة الخارجية الامريكية، من أجل دفعها الى الضغط على الحكومة العثمانية والقيام بتحرك ضد هذا القرار.
ويبين السفير العثماني كيف أن وزارة الخارجية الامريكية لم تكن تستطيع فعل شيء حيال هذه الشكاوى، وأنها كانت تكف عن الحاحها حين كان يواجهها بقرار الحكزمة العثمانية المتعلق بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين، وعدم امكانية إصدار تأشيرات سفر لهم.
وتتجلى حنكة السفير العثماني كاتب الوثيقة وما يتمتع به من ذكاء ودهاء وفطنة، من خلال حديثه عن المواطن الامريكي الذي رفض طلبه، ثم توسطت من أجله وزارة الخارجية الامريكية كونه لم يكن من اليهود أو من المشبوهين. حيث قام هذا السفير بالاستجابة فورا لذلك الطلب، وأصدر تعليماته إلى القنصلية العثمانية في نيويورك من أجل منح المواطن الامريكي المذكور التأشيرة المطلوبة وبدون إبطاء. ويكشف السفير العثماني الذكي عن سبب تصرفه ذلك، مبينا أنه كان يرى في هذه الحادثة أعترافا وموافقة وتأييدا من قبل الحكومة الأمريكية لقرار الحكومة العثمانية حول سد أبواب أرض فلسطين على اليهود، وأنه أراد تثبيت ذلك بشكل عملي.
ويبدي هذا السفير العثماني الغيور امتعاضه من تصرف وزير الخارجية العثمانية الذي قام فور انتهاء زيارة الامبراطور الالماني إلى فلسطين وسوريا، باصدار تعليماته الى السفارات والقنصليات العثمانية في العالم بالغاء قرار المنع السابق، مع اقتصار المنع على الأشخاص المشبوهين فقط.. ويبدي الكاتب السفير استغرابه واستهجانه لخلو تعليمات وزير الخارجية العثماني وبصورة قطعية من الاشارة الى منع دخول اليهود إلى أرض فلسطين. ويبين كذلك أنه وبالرغم من هذا التجاهل المريب، فقد قام كسفير للدولة العثمانية باصدار تأكيداته إلى القنصليات التابعة له باستمرار سريان منع دخول اليهود أرض فلسطين على النحو السابق.
من جهة أخرى، يبدو أن الحكومة الامريكية المتابعة لهذا الأمر قد انتبهت للفجوة المريبة في قرار وزبر الخارجية العثمانية المذكور، حيث نفهم من السياق أن السفير الامريكي في العاصمة العثمانية, الغيور على المصالح اليهودية، قد قام بالاتصال مع وزير الخارجية العثمانية المذكور، وحصل منه على تأكيدات بعدم وجود منع خاص باليهود يمنعهم من دخول أرض فلسطين، وأن التحفظ هو فقط على ذهابهم إلى هناك بشكل جماعي ولاغراض الهجرة والاستيطان. وبعد قيام السفير الامريكي بنقل هذه المعلومات إلى وزير الخارجية الأمريكي، سارع الأخير بارسال مذكرة عاجلة (وردت بالامس) إلى كاتب هذه الوثيقة السفير العثماني لدى واشنطن يقول فيها ما نصه:
"علمت من السفير الأمريكي بدار السعادة (اسطنبول) بأن الباشا وزير الخارجية أبلغه بعدم وجود منع خاص باليهود من دخول أرض فلسطين ولكن من غير المناسب سفرهم إلى هناك بصورة جماعية وبغرض الهجرة، وعليه نرجو التفضل بإصدار الأوامر إلى القنصليات لمنح اليهود تأشيرات".
ويبدوا أن وزير الخارجية العثمانية العتيد لم يحذو حذو السفير الامريكي، ولم يكلف خاطره باطلاع سفيره في واشنطن على ما دار بينه وبين السفير الأمريكي من حوار، إذ ان السفير العثماني يعبر في رسالته هذه وبمرارة عن مدى شعوره بالحرج والاحباط نتيجة الاهمال والتصرف الأرعن وغير المسؤول الذي قام به وزير الخارجية العثماني. وهو يعبر كذلك بشكل مؤثر عن مدى أساه واحباطه لضياع كل الجهود المبذولة حتى تلك اللحظة لدى الادارة الامريكية، والتي كانت تعتبر (نجاحا بكل المقاييس) على حد تعبيره. ويضيف بشيء من التهكم والسخرية المؤلمة أن النتائج التي استطاع تحقيقها بشق الانفس قد طارت كلها في لحظة واحدة نتيجة التصرف الأحمق (القدرة السياسية البالغة!!!) لحضرة الباشا وزير الخارجية.
ويواصل هذا السفير الوطني المحنك رسالته بالحديث عن تماسكه أمام هذه الصدمة، وعن قيامه بابلاغ الوزير الامريكي عن انتظاره للتعليمات من حكومته في هذا الشأن. وأنه أرسل برقية الى وزير خارجيته يبلغه فيها عما جرى بينه وبين السفير الأمريكي، طالبا تعليماته السريعة البرقية في هذا الخصوص. ومؤكدا على ضرورة وضعه في صورة الحوارات التي قد تجري بين الوزير العثماني والسفير الأمريكي من الآن فصاعدا، منعا لأية احراجات في المستقبل.
ويبدوا أن تجاهل الوزير العثماني واهماله للرد على تلك البرقية مدة تجاوزت الاسبوعين كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، الامر الذي دفع بالسفير العثماني الى تقديم هذه الرسالة بشكل مباشر إلى السلطان العثماني، مشتكيا بصورة رسمية من وزير الخارجية العثماني وتصرفاته المشبوهة، ومنوها برأيه وقناعاته السياسية بقوله: (فلا فرق بين قدوم اليهود جماعات كبيرة وبين قدومهم فرادى إذا كان قدومهم لنفس الغرض ، كما ان أي مهاجر لن يقر ويعترف بأنه مهاجر. ومن الطبيعي أن تتولد النتائج الضارة من هذا الرأي الغافل لحضرة الباشا الوزير).
ويواصل السفير العثماني الغيور انتقاداته لوزير الخارجية العثماني ولتصريحاته العشواء، مبينا أن تلك التصرفات جعلت الوزير عرضة للانتقادات الشفوية والتحريرية للسفراء العثمانيين، بل انها جعلت منه مثار سخرية وتندر لبعض مترجمي السفارات، الامر الذي يمس بكرامة الحكومة العثمانية ويعرضها للمذلة والمهانة، ولا ينسى الكاتب السفير أن يقترح الحلول للحيلولة دون تكرر هذه المأساة في المستقبل، فيوصي بأن يحضر الحديث بين وزير الخارجية وسفير أي دولة أجنبية موظف ثالث، ويوجه الدعوة لتسجيل ما يجرى بين الوزير والسفراء من أحاديث، ويتحدث عن ضرورة إبلاغ المعلومات التي يتم تسجيلها إلى السفراء العثمانيين المعنيين في الدول المعنية بشكل برقي أو بالبريد. ويطالب باستصدار أمر من السلطان بجعل هذه الاسلوب عادة متبعة.
وفي نهاية هذه الوثيقة الهامة يشير السفير العثماني لدى واشنطن إلى تقريره رقم 80 تاريخ 11 تشرين الأول 1898 الذي كشف فيه بصراحة عن التوجهات الصهيونية للسفير الأمريكي الجديد لدى الدولة العثمانية، وكيف أنه من المتحمسين والمروجين والمؤيدين للمخطط الصهيوني المرسوم من أجل تهويد فلسطين، وأنه يقوم بنشاطات مضرة شديدة السرية والخطورة في مسألة أرض فلسطين، ويشدد السفير العثماني في نهاية رسالته على ضرورة وضع تصرفات وتحركات ذلك السفير الامريكي في اسطنبول تحت المراقبة الدائمة، ويدعو إلى أخذ الحيطة والحذر منه أكثر من أي وقت مضى...!!!
هذا ما تقوله الوثائق الرسمية العثمانية ... اللهم فاشهد ....
منذر أبو هواش
كانت حتى يوم قريب مجرد وثائق صفراء قديمة يعلوها الغبار ... لا تثير انتباه أحد ... أو أن أحدا لم يجد فيها منفعة سريعة تكفي لكي تدفعه إلى التضحية بشيء من وقته الثمين ... إلى أن قيض الله لها أحد الباحثين الشرفاء ... فأخرجها من غياهب الماضي إلى أنوار الحقيقة ... ليست لفائف قمران ما أتحدث عنه ... فتلك اللفائف ليست في الحقيقة على مستوى ما أعطيت من أهمية ... وليست في الواقع على مستوى ما أثير حولها من ضجة... ما أتحدث عنه هنا هو وثائق عثمانية تعود الى فترة هامة من تاريخنا ... اكتشفها وقدمها وقام بترجمتها شيخ المترجمين العثمانيين ... الاستاذ المترجم كمال خوجة ... وأهمية هذه الوثائق تكمن في أنها تلقي بالضوء على فترة مظلمة مدلهمة من تاريخنا ... كان المحرر والكاتب التاريخي الوحيد لها هو الاستعمار نفسه ... الاستعمار الذي تربع على أرضنا وداس على جماجم أجدادنا.... فاستعمر وحور وزور.... وما من رقيب....
الوثيقة رقم Y.E.E-136/110-1 تاريخ 24 كانون الثاني 1899، هي عبارة عن تقرير مرفوع إلى رئاسة الديوان السلطاني من أحد الموظفين الغيورين في السفارة العثمانية في واشنطن، وتعادل ترجمتها العربية صفحتين من قياس A4.
وعلى الرغم من عدم وجود ما يشير صراحة إلى هوية كاتب الرسالة، فان القاريء المتمعن وكذلك المتخصص الملم بأعمال السفارات، يمكنه من خلال المتابعة الحثيثة للنص أن يكتشف بسهولة، بأن كاتب هذه الرسالة الوثيقة لم يكن سوى السفير العثماني لدى واشنطن في ذلك الوقت.
الاسطر الاولى من رسالة السفير العثماني الغيور تلخص وتعكس وتكشف بجلاء عجيب صورة وطبيعة المرحلة الاولى من المحاولات الصهيونية للاستيطان في فلسطين، وتثبت أن الدولة العثمانية كانت في ذلك الوقت على اطلاع وعلم بما كان يحاك في الخفاء، وأنها كانت على دراية بوجود أفكار ونوايا وتحركات ومخططات مشبوهة، ترمي إلى السيطرة على فلسطين، وتشير بشكل يدعو الى الدهشة والاستغراب إلى وجود رعاية أمريكية مبكرة لذلك المخطط منذ البداية، وفي تلك المرحلة المبكرة جدا.
فالاخبار التي كانت ترد تباعا الى الحكومة العثمانية كانت تؤكد وتجمع على قيام اليهود في ذلك الوقت بمحاولات من أجل جمع الاموال، وتأمين دعم المتنفذين المحليين، وشراء الأراضي، وغير ذلك من التحضيرات والاستعدادات من جهة، وقيامهم بالتوجه إلى جهات فلسطين بصورة سرية، مثنى وثلاث ورباع وأحيانا (مجموعات) بالثلاثين والأربعين من جهة أخرى، بالرغم من استحالة وضع أفكارهم ومخططاتهم في استملاك تلك البلاد السلطانية موضع التنفيذ.
وتؤكد هذه الوثيقة تفهم الحكومة العثمانية لخطورة الوضع بكل تفاصيله، وقيامها على الفور باتخاذ الاجراءات والتدابير الضرورية، والتي كان من ضمنها إصدار التعليمات إلى السفارات العثمانية بعدم قبول مهاجرين من اليهود الأجانب وبدون أي استثناء. ويفهم من سياق هذه الرسالة أيضا أن الحكومة العثمانية كانت تتعرض لانواع من الضغوط في هذا الشأن من قبل الحكومة الامريكية، الامر الذي دفعها إلى محاولة إقناع الحكومة الأمريكية بصعوبة تحقيق ذلك المخطط المرسوم، وأن الحكومة عممت هذا الامر عن طريق الإعلان في الصحف، مع التنويه بعدم تلقي أية اعتراضات من أية جهة على قرارها ذلك.
وتشير هذه الرسالة الوثيقة المحررة من قبل السفير العثماني الى أن السفارة العثمانية في واشنطن وجهت بتاريخ 9 أيلول 1898 مذكرة إلى وزارة الخارجية الأمريكية تبلغها فيها بالقرار الاحترازي الصادر عن الحكومة العثمانية بمنع اليهود من دخول أراضي فلسطين، وتخبرها أيضا بأن التعليمات والاوامر قد صدرت الى الموظفين والمسؤولين العثمانيين بمنع المهاجرين اليهود من النزول إلى الشواطيء الفلسطينية. وتبلغ الدقة بالسفير العثماني كاتب الوثيقة إلى الذروة عند أشارته إلى ورود هذه المعلومات في فقرة رسمية مندرجة في الصفحة 476 من كتاب (ويمكن من هذا الرقم تخيل حجم هذا الكتاب تبعا لاهمية الموضوع!!!) تم تقديمه إلى الديوان السلطاني داخل مغلف كتب عليه العبارة التالية: "دخول اليهود إلى أرض فلسطين ممنوع".
ويشير كاتب الوثيقة سفير الدولة العثمانية لدى واشنطن إلى الزيارة المرتقبة في ذلك الوقت للامبراطور الألماني إلى فلسطين وسوريا، ويتحدث عن التعليمات والاوامر التي وصلت إلى سفارته بخصوصها، والمتعلقة بالاجراءات الاحترازية الواجب اتخاذها فيما يتعلق بمنع وعدم منح تأشيرات على جوازات الأشخاص المشبوهين الراغبين بالسفر إلى فلسطين وسوريا خلال زيارة الإمبراطور. ويتحدث السفير عن الاشكاليات التي واجهها حين أبلغ القنصليات التابعة لسفارته بالتعليمات القطعية من أجل تنفيذ هذا الأمر. ونفهم من حديث الكاتب السفير هنا أن عددا كبيرا من اليهود الامريكيين كانو يتقدمون ألى السفارة والقنصليات العثمانية في ذلك الوقت من أجل الحصول على تأشيرات سفر إلى فلسطين، وأنهم كانوا يعدون العدة للتوجه الى هناك لغايات الاستيطان، وأنهم تأثروا بقرار المنع هذا، الامر الذي دفعهم الى الاحتجاج والشكوى لدى وزارة الخارجية الامريكية، من أجل دفعها الى الضغط على الحكومة العثمانية والقيام بتحرك ضد هذا القرار.
ويبين السفير العثماني كيف أن وزارة الخارجية الامريكية لم تكن تستطيع فعل شيء حيال هذه الشكاوى، وأنها كانت تكف عن الحاحها حين كان يواجهها بقرار الحكزمة العثمانية المتعلق بمنع هجرة اليهود إلى فلسطين، وعدم امكانية إصدار تأشيرات سفر لهم.
وتتجلى حنكة السفير العثماني كاتب الوثيقة وما يتمتع به من ذكاء ودهاء وفطنة، من خلال حديثه عن المواطن الامريكي الذي رفض طلبه، ثم توسطت من أجله وزارة الخارجية الامريكية كونه لم يكن من اليهود أو من المشبوهين. حيث قام هذا السفير بالاستجابة فورا لذلك الطلب، وأصدر تعليماته إلى القنصلية العثمانية في نيويورك من أجل منح المواطن الامريكي المذكور التأشيرة المطلوبة وبدون إبطاء. ويكشف السفير العثماني الذكي عن سبب تصرفه ذلك، مبينا أنه كان يرى في هذه الحادثة أعترافا وموافقة وتأييدا من قبل الحكومة الأمريكية لقرار الحكومة العثمانية حول سد أبواب أرض فلسطين على اليهود، وأنه أراد تثبيت ذلك بشكل عملي.
ويبدي هذا السفير العثماني الغيور امتعاضه من تصرف وزير الخارجية العثمانية الذي قام فور انتهاء زيارة الامبراطور الالماني إلى فلسطين وسوريا، باصدار تعليماته الى السفارات والقنصليات العثمانية في العالم بالغاء قرار المنع السابق، مع اقتصار المنع على الأشخاص المشبوهين فقط.. ويبدي الكاتب السفير استغرابه واستهجانه لخلو تعليمات وزير الخارجية العثماني وبصورة قطعية من الاشارة الى منع دخول اليهود إلى أرض فلسطين. ويبين كذلك أنه وبالرغم من هذا التجاهل المريب، فقد قام كسفير للدولة العثمانية باصدار تأكيداته إلى القنصليات التابعة له باستمرار سريان منع دخول اليهود أرض فلسطين على النحو السابق.
من جهة أخرى، يبدو أن الحكومة الامريكية المتابعة لهذا الأمر قد انتبهت للفجوة المريبة في قرار وزبر الخارجية العثمانية المذكور، حيث نفهم من السياق أن السفير الامريكي في العاصمة العثمانية, الغيور على المصالح اليهودية، قد قام بالاتصال مع وزير الخارجية العثمانية المذكور، وحصل منه على تأكيدات بعدم وجود منع خاص باليهود يمنعهم من دخول أرض فلسطين، وأن التحفظ هو فقط على ذهابهم إلى هناك بشكل جماعي ولاغراض الهجرة والاستيطان. وبعد قيام السفير الامريكي بنقل هذه المعلومات إلى وزير الخارجية الأمريكي، سارع الأخير بارسال مذكرة عاجلة (وردت بالامس) إلى كاتب هذه الوثيقة السفير العثماني لدى واشنطن يقول فيها ما نصه:
"علمت من السفير الأمريكي بدار السعادة (اسطنبول) بأن الباشا وزير الخارجية أبلغه بعدم وجود منع خاص باليهود من دخول أرض فلسطين ولكن من غير المناسب سفرهم إلى هناك بصورة جماعية وبغرض الهجرة، وعليه نرجو التفضل بإصدار الأوامر إلى القنصليات لمنح اليهود تأشيرات".
ويبدوا أن وزير الخارجية العثمانية العتيد لم يحذو حذو السفير الامريكي، ولم يكلف خاطره باطلاع سفيره في واشنطن على ما دار بينه وبين السفير الأمريكي من حوار، إذ ان السفير العثماني يعبر في رسالته هذه وبمرارة عن مدى شعوره بالحرج والاحباط نتيجة الاهمال والتصرف الأرعن وغير المسؤول الذي قام به وزير الخارجية العثماني. وهو يعبر كذلك بشكل مؤثر عن مدى أساه واحباطه لضياع كل الجهود المبذولة حتى تلك اللحظة لدى الادارة الامريكية، والتي كانت تعتبر (نجاحا بكل المقاييس) على حد تعبيره. ويضيف بشيء من التهكم والسخرية المؤلمة أن النتائج التي استطاع تحقيقها بشق الانفس قد طارت كلها في لحظة واحدة نتيجة التصرف الأحمق (القدرة السياسية البالغة!!!) لحضرة الباشا وزير الخارجية.
ويواصل هذا السفير الوطني المحنك رسالته بالحديث عن تماسكه أمام هذه الصدمة، وعن قيامه بابلاغ الوزير الامريكي عن انتظاره للتعليمات من حكومته في هذا الشأن. وأنه أرسل برقية الى وزير خارجيته يبلغه فيها عما جرى بينه وبين السفير الأمريكي، طالبا تعليماته السريعة البرقية في هذا الخصوص. ومؤكدا على ضرورة وضعه في صورة الحوارات التي قد تجري بين الوزير العثماني والسفير الأمريكي من الآن فصاعدا، منعا لأية احراجات في المستقبل.
ويبدوا أن تجاهل الوزير العثماني واهماله للرد على تلك البرقية مدة تجاوزت الاسبوعين كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، الامر الذي دفع بالسفير العثماني الى تقديم هذه الرسالة بشكل مباشر إلى السلطان العثماني، مشتكيا بصورة رسمية من وزير الخارجية العثماني وتصرفاته المشبوهة، ومنوها برأيه وقناعاته السياسية بقوله: (فلا فرق بين قدوم اليهود جماعات كبيرة وبين قدومهم فرادى إذا كان قدومهم لنفس الغرض ، كما ان أي مهاجر لن يقر ويعترف بأنه مهاجر. ومن الطبيعي أن تتولد النتائج الضارة من هذا الرأي الغافل لحضرة الباشا الوزير).
ويواصل السفير العثماني الغيور انتقاداته لوزير الخارجية العثماني ولتصريحاته العشواء، مبينا أن تلك التصرفات جعلت الوزير عرضة للانتقادات الشفوية والتحريرية للسفراء العثمانيين، بل انها جعلت منه مثار سخرية وتندر لبعض مترجمي السفارات، الامر الذي يمس بكرامة الحكومة العثمانية ويعرضها للمذلة والمهانة، ولا ينسى الكاتب السفير أن يقترح الحلول للحيلولة دون تكرر هذه المأساة في المستقبل، فيوصي بأن يحضر الحديث بين وزير الخارجية وسفير أي دولة أجنبية موظف ثالث، ويوجه الدعوة لتسجيل ما يجرى بين الوزير والسفراء من أحاديث، ويتحدث عن ضرورة إبلاغ المعلومات التي يتم تسجيلها إلى السفراء العثمانيين المعنيين في الدول المعنية بشكل برقي أو بالبريد. ويطالب باستصدار أمر من السلطان بجعل هذه الاسلوب عادة متبعة.
وفي نهاية هذه الوثيقة الهامة يشير السفير العثماني لدى واشنطن إلى تقريره رقم 80 تاريخ 11 تشرين الأول 1898 الذي كشف فيه بصراحة عن التوجهات الصهيونية للسفير الأمريكي الجديد لدى الدولة العثمانية، وكيف أنه من المتحمسين والمروجين والمؤيدين للمخطط الصهيوني المرسوم من أجل تهويد فلسطين، وأنه يقوم بنشاطات مضرة شديدة السرية والخطورة في مسألة أرض فلسطين، ويشدد السفير العثماني في نهاية رسالته على ضرورة وضع تصرفات وتحركات ذلك السفير الامريكي في اسطنبول تحت المراقبة الدائمة، ويدعو إلى أخذ الحيطة والحذر منه أكثر من أي وقت مضى...!!!
هذا ما تقوله الوثائق الرسمية العثمانية ... اللهم فاشهد ....
منذر أبو هواش






