الادّعاء بأن الإسلام يدعو أتباعه إلى التواكل وعدم الأخذ بالأسباب.
صفحة 1 من اصل 1•
الادّعاء بأن الإسلام يدعو أتباعه إلى التواكل وعدم الأخذ بالأسباب.
من يتأمل في القرآن الكريم يتأكد عن يقين أن الإسلام دين يحث على العمل ويدفع الإنسان دفعاً إليه، فالعمل هو الحياة، وبدون العمل تتوقف الحياة، ومن هنا يربط القرآن في كثير من آياته بين الإيمان والعمل الصالح، الذي يشمل كل عمل يؤديه الإنسان دينيّا كان هذا العمل أم دنيوياً طالما قصَدَ به وجه اللَّه ونفع الناس ودفع الأذى عنهم، والأمر بالعمل في القرآن واضح لا غموض فيه : { وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ }(39).
بل إن القرآن يحث المسلمين على العمل حتى في يوم الجمعة الذي يعد يوم راحة لدى المسلمين، يقول تعالى : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ }(40).
ويحث النبي "ص" على العمل حتى في آخر لحظة في حياة الإنسان ونهاية العالم، ومن هنا كان قوله : >إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ـ أي شجيرة صغيرة ـ فإذا استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل<(41).
وقد رفض النبي "ص" انقطاع الناس للعبادة في المسجد واعتمادهم على غيرهم في الحصول على طعامهم وشرابهم، وامتدح من يعمل ويأكل من كسب يده، وأثنى على اليد العاملة بأنها يد يحبها اللَّه ورسوله.
كان النبي "ص"، وهو قدوة المسلمين جميعاً بنص القرآن يعمل ويخطط، ويتدبر الأمور، ويعد لكل شيء عدته، ويأخذ بالأسباب ثم يتوكل على اللَّه، والتوكل على اللَّه لا يعني ترك العمل وعدم الأخذ بالأسباب، وإنما هو خطوة تالية بعد إعداد كل شيء، ومن شأن هذا التوكل أن يذكر الإنسان باللَّه ويزوده بطاقة روحية تجعله أكثر قدرة على التغلب على الصعاب ومواجهة المشكلات بعزيمة لاتلين، فالتوكل على اللَّه إذن قوة إيجابية دافعة وليست سلبية أو تواكلاً.
التواكل يعني عدم الأخذ بالأسباب، وعدم العمل اعتماداً على أن اللَّه سيفعل كل شيء حسبما يريد، وهذا أمر مرفوض في الإسلام، فاللَّه لا يعين الكسول الذي لا يساعد نفسه ويتواكل على الغير مع قدرته على العمل.
وقد طرد عمر بن الخطاب، رضي اللَّه عنه، بعض المتواكلين المنقطعين للعبادة في المسجد اعتماداً على أن غيرهم يرعاهم ويقوم بأمرهم، وقال كلمته المشهورة : >إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة< واستشهد بحديث الرسول "ص" الذي يقول : >لو أنكم تتوكلون على اللَّه حق توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِمَاصاً وتروح بِطاناً<(42) أي اعلموا واعتبروا بالطير التي تخرج في الصباح سعياً ورَاء قوتها وبطونها خاوية، وتعود آخر اليوم وقد امتلأت بطونها.






